بدأت قضية اغتيال جمال خاشقجي تأخذُ منعطفاً جديداً فالغموض أصبح السمة الأساسية لتعاقب الأحداث والروايات، وتضارب المواقف السعودية والأمريكية وتأخر التحقيقات التركية يدفعنا إلى طرح العديد من التساؤلات، بل الذهاب أبعد من ذلك وهو التشكيك في نوايا الاغتيال نفسه، ومع مرور الوقت كنّا ننتظر نتائج التحقيقات التركية وإذا بنا نُصعقُ من بلادة الرواية السعودية وهي أن جمال قُتل في عراكٍ بالأيدي، حيث يُراد لنا أن نصدّق المملكة العربية السعودية في روايتها هذه مثلما أُريدَ لنا أن نصدّقها حين صرّحت رسمياً بأن خاشقجي خرج من القنصلية بعد 20 دقيقة من دُخولها وهو الموقف الذي ثبتت عليه السعودية قرابة ثلاثة أسابيع قبل اعترافها بالجريمة، والغريب في الأمر أنَّ العالم العربي على الأقل يدعو إلى القيام بإجراءاتٍ هامة يراها من الضرورة بمكان وإن لم تكن للرأي العام العربي أصلاً درايةٌ بكيفية سيرِ التحقيقات الجنائية، فهناك العديد من الإجراءات التي يتغاضى عنها التحقيق التركي رغم أنها واضحة وبديهية ودعنا نُركّز على نقاطٍ منها :

أوّلاً: كيف يمكن للأمن التركي أن يفسح المجال لـ 15 عنصراً سعودياً من ضباط وشخصياتٍ نافذة في الدولة ليتحرّكوا بكل حرية وسلاسةٍ دون أن يفرضَ -بالنظر إلى وزن عناصر المجموعة- رقابةً تقتفي تحركاتهم، خصوصاً وأنّهم جاؤوا في طائرةٍ خاصة من أجل مهمةٍ محدّدة كما يبدو ولم يلبثوا سوى سُويْعات قليلة قبل أن يهمّوا بالسفر مع العلم أن تركيا سبق وأن تعرّضت مراراً وتكراراً لهجماتٍ إرهابية مما يستدعي أعلى درجات الحيطة والحذر في مثل هذه الأمور.
ثانيا: أين جُثة خاشقجي؟ بعد مرور أكثر من ثلاثة أسابيع دون العثور على أثرٍ لها، هل نعتبر ذلك انتصاراً للسعودية كونها نجحتْ في إخفاء الجثة ومحو آثار الجريمة؟ فالأمن التركي لا يتحدث عن جثة خاشقجي بقدر ما يروي أحداثاً من حين لآخر كالتقطيع والموسيقى والتسجيلات الصوتية والمرئية وما إلى ذلك، فأين جثة خاشقجي إذن؟ هذا هو السؤال الذي يبحث العالم عن إجابة له باستثناء تركيا والولايات المتحدة، وكيف تم إدخال معداتِ التقطيع عبر المطار؟ وإن تم اقتناؤها من داخل تركيا فأين تم ذلك؟ ومع من؟ ومن أدخلها إلى القنصلية؟ وهل يستغرقُ تقطيع جثة إنسان قِطعاً صغيرة بضع دقائق؟ وكيف تم تصوير القنصلية من الخارج؟ هل تم تثبيتُ الكاميرات عن قصدٍ لتصوير الجناة وتصوير دخول جمال خاشقجي إلى القنصلية، ومن ضمن لنا أن الشخص الذي يظهر في الفيديو هو بالفعل الصحفي خاشقجي أم أنها مسرحية مفبركة في حين تم التخلّص منه أو اختطافه قبل ذلك.

الأكثر من هذا كيف يمكن للسعودية أن ترتكب مثل هذه العملية الغبيّة إن لم تكن هناك قوى وازنة قدّمت لها الدعم النفسي واللوجستيكي، فهل يُعقل أن السعودية تغامر لوحدها في هذا المستنقع ومؤتمرُ دافوس على الأبواب، وحالُ المنطقة مشتعل على جميع الأصعدة، ومنظمات حقوق الإنسان تترصّد كل ما يجري من انتهاكاتٍ صارخة في اليمن واعتقالات واسعة للمعارضين، وحصارها لقطر الذي برّرته بكونها راعية للإرهاب؟ إضافة إلى استغلال إيران هذه الورقة الرابحة لممارسة مزيد من الضغوطات على الرياض، وأيضا طبيعة جمال خاشقجي نفسه فهو يُدعى بالمعارض اللايت إذ لا يُشكل أيّ تهديد للسعودية لا من قريبٍ ولا من بعيد، إذا شاهدته كيف يتحدث عن النظام السعودي تُقسمُ أنه من المؤيدين البارزين له.
ثالثا: أين التسجيلات التي ما انفكّت التحقيقات التركية تتحدث عنها في كل وقتٍ وحين، هل هي حرب نفسية تلك التي تنهجها تركيا لدفع العالم نحو الإعراض عن القضية بداعي الملل والإحباط، ولماذا لا يُكشفُ النقاب عن التسجيلات لتضع حدّاً لتنصّل السعودية من مسؤوليتها المباشرة في قتل خاشقجي وتهريب جثته كما يبدو عبر طائرة خاصة ليتم تفريق أجزائها في مناطق محددة وتذويبها بعد ذلك بحمضٍ خاص، فالمنطق يقول أن خمسة عشر عنصراً قدِموا لاغتيال شخصٍ واحد هو عدد مبالغ فيه، وبالتالي فدور هذه الكتيبة هو أن يُخرج كل فردٍ منها جزءً من جسم خاشقجي حتى يتمكنوا من تمويه كاميرات المراقبة خصوصا وأنهم استقلّوا طائرات خاصة لا تخضع للتفتيش الدقيق.
من جهة أخرى أعتقد أن الولايات المتحدة لها يد طولا في اغتيال جمال خاشقجي، ربما ليلعب ترمب دور الحمل الوديع الباحث عن الحقيقة، والساهر على إحقاق العدل في الأرض والمدافع عن حرية الصحافة بعد أن ساءت صورته بشكل كبير جراء فضائحه المتتالية واعترافه الأخير بالقدس عاصمة لإسرائيل وفشله في لعب دور فعال لإنهاء الصراع في سوريا وتنصله من الاتفاق النووي مع إيران، ولعل تصفية الحسابات بين الثلاثي تركيا السعودية وأمريكا هو من جعل جمال خاشقجي في مرمى حجر دون اعتبار لوزنه الصحفي ومكانته الدولية، وأنا على يقين من أنّ ترمب سيعمل على تلطيف الخطاب مع السعودية بعد اعترافها بمقتل مواطنها رغم تفاهة المبررات التي استهزأ منها القاصي والداني، ولا أستبعد أن تُرحب واشنطن بها وتجعلها خطوة لتهدئة الأمور وترتيب دواليبها لمنحة سخية من السعودية، ولا أظن أن تركيا تريد أن تخرج من هذه القضية خالية الوفاض وتدع الغنيمة كاملة لترمب، فلعل تأخرها في كشف الحقائق ناجم عن مساومات تحت الطاولة تريد من خلالها أنقرة ضمان حصة الأسد بعد المجهودات الكبيرة التي قامت بها والأموال الطائلة التي تصرفها في إنجاز التحقيقات.
رابعا: لحظة دخول عاملات النظافة إلى القنصلية تحت أنظار الصحافة العالمية في مشهد غريب قبل سويعات من دخول فرق التحقيق إليها وهم يبتسمون كونهم مقبلين على لعبة مكشوفة تطرح العديد من علامات الاستفهام، فما دورهم إذن إذا كانت القنصلية أصلا خالية على عروشها ولماذا هذا التوقيت بالضبط وماذا سيكون عملهم من غير محو وطمس ما تبقى من معالم الجريمة؟ وهل حقّق الأمن التركي معهم بعد خروجهم من القنصلية.