اتصادف هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لاغتيال الإعلامي جمال خاشقجي على يد حكومته، استغرق اعتراف القاتل عاماً كاملاً ليطل علينا بمنشاره الملطخ بدماء بريئة كأنها الأمس لم تجف بعدُ، فلم يمنع ولي العهد أن يعترف بدوره في القتل، وإن كان اعترافاً جاء متأخراً لعام كامل، كان كل ذنب جمال وخطيئته أنه وثق وصدق أن من تسمى بدولته وحاميته، سفارتها سفارته، فكان من مأمنه أُوتي من صدق ووثق ودخل سفارته التي من المفترض أن تكون آمنة له ولغيره..

‏بدأ مشواري مع الأخ والصديق جمال خاشقجي أيام الجهاد الأفغاني كنت يومها أعمل في مجلة الجهاد التي كان يديرها الشيخ الشهيد عبد الله عزام رحمه الله في بيشاور الباكستانية، حين اتصل بي الأخ جمال مطلع عام 1988 عارضاً عليّ العمل مراسلاً لصحيفة الشرق الأوسط الصادرة من لندن، استشرت بالطبع الشهيد عبد الله عزام وكانت موافقته، وبدأ بعدها مشواري الصحافي مراسلاً للصحيفة، ثم أسبوعية المسلمون، وذلك  لكل من باكستان وأفغانستان، وتطور الأمر لأقوم أيضاً بتحقيقات مشتركة مع الأخ جمال لـ “لمجلة” الصادرة عن نفس الشركة، ولا زلت أحتفظ بتلك التقارير والتحقيقات المشتركة، وتوطدت العلاقة بيننا إلى أن وقع انقلاب تاناي الشيوعي على حكم نجيب الله عام 1990 فقمنا بالتغطية المشتركة أيضاً.. 

ما إن سقطت كابول بأيدي المجاهدين في أواخر إبريل/ نيسان من العام 1992 حتى كنا سوية فيها نغطي أخبارها وننقل ما يجري هناك، وحين انتقل الأخ جمال إلى صحيفة الحياة انتقلت معه، كان مثال الأخ والصحافي المهني الذي لا أذكر أبداً أن وقع أي احتكاك أو سوء فهم بيننا، وبحكم كونه سعودياً يعمل في صحف سعودية كان خير معين لي كوني أتواجد بعيداً عن المركز، ولما  انتقل للعمل في السلك الديبلوماسي وكذلك رئيساً لتحرير صحيفة الوطن وعرب نيوز استمر التواصل بيننا، فكان اللقاء في جدة كلما ذهبت لزيارة المملكة، بالإضافة إلى اللقاءات في الدوحة حين كان يأتي ضيفاً على الجزيرة واحتفالاتها..

‏ما إن بدأ التضييق على المصلحين والمعارضين في السعودية كنت قد عرضت عليه أن يكون ضيفاً لبرنامج للقصة بقية التي أطلقته مع الزميل ماهر ملاخ، وكان برنامجاً باعتقادي مميزاً في عالم التلفزيون العربي كونه أول برنامج مشترك، وثائقي وحواري بنفس الوقت، ولا يخفى على العاملين في مجال الوثائقيات مدى صعوبة إعداد برنامج وثائقي أسبوعي فكيف إذا أضيف إليه جهد البرنامج الحواري، استجاب الأخ جمال خاشقجي مشكوراً، ولما سعينا إلى تقديم المكافأة المالية العادية لكل الضيوف الذين يظهرون على الشاشة اعتذر وحاول أن يرفض، فباسطته وقلت له لن تكون أغنى من الجزيرة ولا دولة قطر حتى ترفض المكافأة، فضحك وضحكنا وقبل المكافأة..

‏ومع وصوله إلى أمريكا بعد خروجه من السعودية كانت رسالته على الواتس آب التي أرسلها لي يقول فيها لن أقدم نفسي معارضاً، فالمعارض له جمهوره، الذي هو بالأصل معارضاً، وأنا أسعى إلى جذب الرماديين، وجذب أشخاص جدد للمعارضة، ولعل هذا سرّ قوته إعلامياً، ولغز انزعاج السلطات السعودية معه فكانت العقوبة بحجم ما وقع، كونها أدركت ولمست مدى خطورته وتأثيره، وسعى جمال طوال مقابلاته التلفزيونية، وكتاباته الصحافية المميزة في عموده بالواشنطن بوست الذي كنا ننتظره، على نفس المنوال مفككاً سحرهم، فكان بحق حسب علمي أول كاتب عربي يكتب مقالاً في جريدة كالواشنطن بوست..

‏فُجعت بك يا صديقي، كما فجع الكثيرون، وبكتك كل أرض وطئتها وسمعت بك، ولكن العزاء هو إرث المحبة والإعجاب الذي خلّفته وراءك، يرافقه الذكر الحسن الذي لم يدعك في هذه الدنيا، وأسأل الله أن يكون رفيقك عند مليك مقتدر، أما القتلة فلهم في الدنيا ملاحقة الصادقين المحبين لك بإذن الله، ولعذاب الآخرة أشد وأكبر..